أحمد بن الحسين البيهقي
82
كتاب القضاء والقدر
أحدهما : القدرة والاستطاعة التي بمعنى الصحة والوسع ، والتمكن وسلامة الآلات ، وهي القدرة الشرعية المصححة للفعل والتي هي مناط الأمر والنهي . وهذه لا يجب أن تقارن الفعل ، بل تكون قبله متقدمة عليه ، وهي صالحة للضدين ، وهي المذكورة في قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا « 1 » فإن هذه الاستطاعة لو كانت هي المقارنة للفعل لم يجب حج البيت إلّا على من حج ، فلا يكون من لم يحجّه عاصيا بترك الحج ، سواء كان له زاد وراحلة وهو قادر على الحج أو لم يكن . وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمران بن حصين » « 2 » : صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب » وكذا قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ « 3 » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » لو أراد استطاعة لا تكون إلّا مع الفعل لكان قد قال فافعلوا منه ما تفعلون ، فلا يكون من لم يفعل شيئا عاصيا له ، وهذه الاستطاعة المذكورة في كتب الفقهاء ، وهي الغالبة في عرف الناس « 4 » . والثاني : القدرة والاستطاعة الموجبة للفعل معها ، وهي المقارنة للفعل ، الموجبة له ، وهي المذكورة في قوله تعالى : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ « 5 » وقوله : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً « 6 » . و « المراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم ، فنفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية رقم ( 97 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ، في كتاب تقصير الصلاة ، باب : إذا لم يطق قاعدا . . . رقم ( 1117 ) . ( 3 ) سورة التغابن ، الآية رقم ( 16 ) . ( 4 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 129 - 130 ) وانظر ( 8 / 290 ، 292 ، 371 ، 376 ، 441 ) و « منهاج السنّة » ( 1 / 7 - 8 ، 369 ، 373 ) . ( 5 ) سورة هود ، الآية رقم ( 20 ) . ( 6 ) سورة الكهف ، الآية رقم ( 101 ) .